أحمد بن محمود السيواسي

85

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أن للّه « 1 » تعالى ( مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ) أي بعضا لقولهم الملائكة بنات اللّه ، لأن الولد جزء الوالد أو جعلوا بعض عباده شريكا له « 2 » ، لأنهم أشركوا الأصنام معه تعالى ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ) أي لجحود لنعم ربه ( مُبِينٌ ) [ 15 ] أي بين الكفر ، لأن نسبة الولد إليه كفر وهو أصل الكفران كله . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 16 ] أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) قوله ( أَمِ اتَّخَذَ ) أورد فيه « أَمِ » المنقطعة « 3 » بتضمير الهمزة الاستفهامية للإضراب والإنكار تجهيلا لهم « 4 » ، أي بل أاتخذ تعالى « 5 » لنفسه حيث لم يرضوا باثبات الجزء له حتى جعلوه شر الجزءين عندهم وهو الإناث ( مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ ) أي واختاركم ( بِالْبَنِينَ ) [ 16 ] وهو مما « 6 » يستحيل في صفاته ، قيل : هو رد على بني مليح حيث قالوا الملائكة بنات اللّه « 7 » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 17 ] وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) ثم وصف كراهيتهم بالنبات بقوله ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ) أي جعل له شبها من جنسه بقوله الملائكة بنات اللّه تعالى عن ذلك ، لأن الولد يشبه الوالد ( ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) أي صار وجهه متغير اللون ( وَهُوَ كَظِيمٌ ) [ 17 ] أي حزين يكظم غيضه ، المعنى : أنكم كيف ترضون للّه من الأوصاف ما لا ترضون لأنفسكم . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 18 ] أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) ( أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا ) الاستفهام فيه للتوبيخ ، قرئ بفتح الياء والتخفيف ، وبضم الياء والتشديد « 8 » ، أي أينسب للرحمن ولد ويجعل له من الولد من هو متصف بالصفة المذمومة وهو من ينشأ ، أي يربي ( فِي الْحِلْيَةِ ) أي في الزينة والنعمة ( وَهُوَ فِي الْخِصامِ ) أي في الكلام إذا احتاج إلى مجاباة الخصوم ( غَيْرُ مُبِينٍ ) [ 18 ] بحجة ، أي ليس عنده بيان ببرهان يحج به من يخاصمه ، وذلك لضعف عقله ونقصانه ، إذ المرأة إذا أرادت أن تتكلم بحجتها انقلبت الحجة عليها غالبا ، وفي الآية إشارة إلى أن التربية في الزينة والتنعم من المذام ، لأنه من صفات النساء فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 19 ] وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) أي ومن أقبح أوصافهم أنهم سموا الملائكة الذين هم 43 أكرم عباد اللّه عليه إناثا فاسخفوا بهم واحتقروهم ، ثم قال بهمزة الإنكار ( أَ شَهِدُوا ) أي أحضروا ، وقرئ « أو شهدوا » بهمزة الاستفهام وتخفيف همزة المجهول « 9 » ، يعني بين الهمزة والواو ومن الإشهاد وأو آشهدوا بادخال ألف بين همزة الاستفهام وهمزة الفعل المجهول وهو أشهدوا ، أي أآحضروا ( خَلْقَهُمْ ) أي خلق الملائكة حين خلقهم اللّه تعالى فعلموا أنهم ذكور وإناث ، وهذا استهزاء بهم وتوبيخ لهم ، قوله ( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ) وعيد لهم ، نزل حين سأل عنهم النبي عليه السّلام ما يدريكم أن الملائكة إناث ؟ فقالوا : سمعنا من

--> ( 1 ) للّه ، ح و : اللّه ، ي . ( 2 ) له ، وي : - ح . ( 3 ) للإضراب ، + ح . ( 4 ) لهم ، ح و : بهم ، ي . ( 5 ) تعالى ، ح و : اللّه ، ي . ( 6 ) مما ، وي : ما ، ح . ( 7 ) هذا الرأي مأخوذ عن السمرقندي ، 3 / 204 . ( 8 ) « ينشأ » : قرأ حفص والأخوان وخلف بضم الياء التحتية وفتح النون وتشديد الشين ، والباقون بفتح الياء وإسكان النون وتخفيف الشين . البدور الزاهرة ، 288 . ( 9 ) « أشهدوا » : قرأ المدنيان بهمزتين ، الأولى مفتوحة محققة ، والثانية مضمومة مسهلة بين بين مع إسكان الشين ، وأدخل بينهما ألفا أبو جعفر وقالون بخلف عنه ، وأما ورش فيسهل من غير إدخال ، والباقون بهمزة واحدة مفتوحة محققة مع كسر الشين . البدور الزاهرة ، 289 .